معني فلسفة العلوم
مدخل :
من المتعارف عليه أن العلوم استقلت عن الفلسفة في العصر الحديث ، حيث كانت البداية مع الكسمولوجيا على يد كوبرنيكوس ،والفيزياء على يد كل من جاليليوس واسحاق نيوتن، بينما في الكيمياء كانت على يد لافوزيه، وفي علم الأحياء على يد كلود برنارد ، وتواصل هذا الانفصال في علم الاجتماع على يد إيميل دوركايم ، وفي علم النفس على يد وولف ، هذا الانفصال أسس لوجود مناهج ومعارف متخصصة تختلف في الطرح عن الدراسات السابقة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل هذا الاستقلال والانفصال أدى إلى تراجع الفلسفة أم أن هذا التطور الذي عرفته العلوم أدى إلى تطور التفكير الفلسفي وفق ما تقتضيه هذه البحوث العلمية .
وعلى الرغم من هذا الانفصال فان الفلسفة جددت أطروحاتها، فبدأ العلماء في بحوثهم وممارساتهم العلمية يمارسون فعل التفلسف، وذلك من خلال معالجة قضايا تخص العلم في حد ذاته وتخص مناهجه وفروضه وأفكاره، وبالتالي أصبح العالم يستخدم الفلسفة اتجاه مواضيع علمية بحتة ،لذلك يقول ارسطو داخل كل عالم فيلسوف.
ومن هنا أصبح مصطلح فلسفة العلوم يدل على تلك العلاقة الموجودة بين الفلسفة والعلم بعد أن حاولت العلوم الانفصال عن الفلسفة، فماهو مفهوم فلسفة العلوم؟
تعريف فلسفة العلوم:
من منطلق التحول الجذري للفلسفة نفسها حيث انتقلت الفلسفة من البحث في الميتافيزيقا إلى البحث في المعرفة العلمية، وقبل التطرق لفلسفة العلوم لابد أن نتطرق لمفهوم العلم في حد ذاته فما مفهوم العلم؟
من المتعارف عليه أن مفهوم العلم تم تفسيره بأوجه مختلفة، فمفهوم العلم في الثقافة الغربية يطلق إلا على العالم المادي بمختلف مستوياته سواءا المادة الجامدة كالفيزياء أو المادة الحية كالبيولوجيا أو العلم المجرد كالرياضيات ، ونتيجة لما حققه البحث المادي من نتائج ملموسة حاول الباحثون في مجال العلوم الإنسانية الأخذ بهذا المنهج ومحاولة تطبيقه في مجال العلوم الإنسانية لعلهم يحققون نتائج موضوعية مؤكدين على أن الدراسات في العلوم الإنسانية تتخذ نفس المسار في الدراسات المادية الأخرى ، بينما في الثقافة الإسلامية فالعلم لا يشترط أن يرتبط بالمادة بل هو أوسع ، يشمل العلوم الطبيعية وعلوم الإنسان وعلوم الوحي .
ومن هنا فإن العلم إما أن يكون دارسا لموضوعات مختلفة بمعنى يبحث في تخصص معين بعينه مثل علم الكيمياء الذي يختص بالتفاعلات التي تحدث في المادة وعلم الفيزياء الذي يختص بدراسة حركة المادة أو علم البيولوجيا التي تختص بدراسة الكائن الحي وأعظائه، سواء كان إنسانا أو حيوانا أو نباتا،
بينما عندما يكون العلم في حد ذاته موضوعا للدراسة فهو يحتاج الى معرفة أعلى منه، تقوم بتفسيره وتحليله ومعرفة محتواه وتمارس النقد حينما تظهر مغالطه وزلاته والغرض من ذلك هو إعادة بنائه حينها نكون أمام ما يسمى علم العلم وهو ما يصطلح عليه بالابستومولوجيا،والتي تتخذ من العلم موضوعا لها.
هذا المبحث أضيف في العصر الحديث و أصبح من بين أهم مباحث التفكير الفلسفي والعلمي على حد سواء.يهتم في الأساس بتحليل لغة العلوم المختلفة و استخلاص ما يساعدنا على تكوين نظرة شاملة إلى الكون من خلال الربط بين مختلف الظواهر التي يتعامل معها الإنسان.فالمقصود إذن بفلسفة العلوم" ذلك النسق المترابط من المفاهيم و القوانين التي تشمل العلوم الطبيعية و الفلسفية و الإنسانيات و يهدف إلى فهم مكانة العلوم في حضارتنا وعلاقتها بالأخلاق و السياسة و الدين" وعليه يمكن أن نقدم تعريفا بسيطاً لفلسفة العلوم بأنها" كل ما يحلل العلم ولا يكون جزءاً منه، أو أنها حديث عن العلم و التعليق عليه، أو أنها بمثابة اللغة الشارحة للغة العلم و الموضوعية."
فكل ما يتعلق بالحديث عن العلم و خصائص المعرفة العلمية وسمات الشخصية العلمية يعتبر ضمن فلسفة العلوم لأنه حديث عن العلم و ليس فيه، ففلسفة العلوم لا تدرس الموضوع الذي يبحث فيه العلم بل من اختصاص العلم في حد ذاته، فالفيزياء مثلا تدرس حركة الأجسام و المادة الجامدة بينما فلسفة العلوم تبحث في اللغة المستخدمة في العلم و مناهجها و مفاهيمها ليتناولها بالتحليل و التعليق و النقد.
وارتبطت فلسفة العلوم بشكل أساسي بالنزعة الوضعية، وإن كانت علاقة العلم بالفلسفة قديمة مند اليونان إلا أن قضاياها كانت تعالج في إطار نظرية المعرفة، وبحلول اقرن التاسع عشر و بالتحديد 1834أستعملت كلمة فلسفة العلوم لأول مرة من طرف عالم الرياضيات الفرنسي"أندري ماري أمبير": André-Marie Ampère) (1775 - 1836)، وكان تشير عنده إلى تصنيف العلوم إلى علوم كونية وعلوم عقلية اجتماعية.وفي الفترة نفسها أشارة عالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونتAuguste Comte))( 1789-1857). حيث عرف هذا النشاط الفلسفي الجديد و حدد مفهومه بقوله" إنها الدراسة الخاصة بالمفاهيم العامة لمختلف العلوم من حيث أن هذه الدراسة خاضعة لمنهج واحد، و من حيث أنها أجزاء مختلف لمبحث واحد" فمهمتها ملاحقة ما يصفه العلماء.
استخدم مصطلح فلسفة العلوم في الإنجليزية من طرف المفكر الإنجليزي وليام وايل، ويقصد به النظرة الكاملة لحقيقة المعرفة الواقعية وشروطها. ويبدو أن هذا التعريف لم يخرج عن إطار النظرة التقليدية لنظرية المعرفة، لكن فلسفة العلم تبحث في نتائج العلم و ليس في واقعه.
ويعرف جميس فريدريك فيري فلسفة العلوم بأنها "خطاب عقلي عن المعرفة" بمعني تكوين نظرة علمية من خلال دراسة جميع فروع العلوم، فلسفة العلوم بهذا المعني ليست محددة الموضوع و المنهج وإنما هي دراسة لمفاهيم و مناهج العلم قصد تطبيقها في مجالات لم تحقق بعد العلمية.
عرفت فلسفة العلوم مرادفات عدة منها علم العلم- نظرية العلم- نقد العلم- نظرية المعرفة وهذا المصطلح الأخير استخدم مند اليونان حتى بداية القرن التاسع عشر وكان المقصود منه الإبستومولوجيا.
لكن الإبستومولوجيا ليست هي نظرية المعرفة التقليدية، فنظرية المعرفة كما يدل ذلك اسمها تهتم بجميع أنواع المعارف دون تخصيص،أو على الأصح بقدرتنا العارفة مهما كان الموضوع المعروف، في حين أن الإبستومولوجيا تتعرض لنوع خاص من المعارف هو المعرفة العلمية.