الدرس التاسع

مشكلة الاستقراء:

يعد المنهج الاستقرائي من بين أهم المناهج المستخدمة في دراسة الظواهر الطبيعية و يتجسد ذلك في الإجراءات التي يتبعها المنهج التجريبي في تجسيد البحث الميداني المتعلق بالطبيعة من خلال الملاحظة و الفرضية و التجربة، فالاستقراء هو نوع من أنواع الاستدلال الذي يكشف لنا عن القوانين التي تسير الظواهر الطبيعية، بحيث تنتقل أحكامنا أثناء الدراسة من حالات خاصة إلى حالات عامة. إلا أن هذه العملية غير مبرر من الناحية المنطقية فكيف لنا أن نحكم على قضايا مستقبلية من خلال ما تعرفنا عليه في الماضي، فالحكم هنا يصدق على القضايا التي تم التجريب عليها فقط و لا يمكن أن ننتقل في حالة الصدق من قضايا جزئية إلى قضايا كلية.

ويعد دافيد هيوم أول من أثارة هذه المشكلة، من خلال كيفية تبريره والتي أحسن صياغتها حتى عرفت عند فلاسفة العلم بالمشكلة الهيومية. حيث يؤكد تعريف الجرجاني للاستقراء، أنه لا يفيد اليقين لجواز وجود جزء لم يستقرأ ويكون حكمه مخالفا لما تم استقراءه؛ مما يعني أن القوانين والنظريات العلمية في العلوم الاستقرائية هي تعميمات لوقائع مستقرأة من الواقع. فهي – حسب وجهة النظر الاستقرائية – إخبار عن الواقع وتطابق معه، ولابد أن تحتمل الصدق فقط. وعادة يؤوّل الاستقراء على النحو التالي:" إذا لاحظنا عدة حالات من (أ) في ظروف متنوعة وإذا وقفنا على أن جميع تلك الحالات التي تمت ملاحظتها تحمل الخاصية(ب) دون استثناء، فينبغي إذن أن تحمل جميع (أ) الخاصية (ب)."[1]

يعد الاستقراء المبدأ المؤسس للعلم عند الاستقرائيين، غير أن منهج الاستقراء تعترضه صعوبتين:

أولاً: تتعلق أولهما بمعضلة الانتقال من عدد محدود من الوقائع الجزئية إلى قانون عام كلي يفترض أن يسري على جميع الحالات المشابهة أو المماثلة لها، أي أن تتمتع القوانين والنظريات العلمية بخاصية التعدي التي تسمح بانتقال أحكامها مما تم رصده إلى ما لم يتم رصده بعد، وبلغة الأشكلة: كيف يتم الانتقال من الوقائع المشاهدة المحدودة إلى الحكم الكلي المطلق؟

 ثانياً: مسألة التنبؤ، أي كيف يمكن أن نحكم على حالات مستقبلية انطلاقا من حالات حاضرة أو ماضية؟، بمعنى، أن وقائع المستقبل المماثلة لوقائع الماضي أو الحاضر ستتم بنفس النحو الذي تمت به سابقا. وبمعنى أدق، ما الضامن انه لن تظهر عينة أو عينات- مستقبلا- تنسف كل هذه التعميمات* الغارقة في وثوقية هشة أمام محاولات النقد الرصين؟. يمكن إذن تلخيص مشكلة الاستقراء في مسألة تبرير القفزة التعميمية من عدد محدود من الوقائع التجريبية إلى قانون عام وكلي. ويكون السؤال الجوهري هو كيف يمكن تبرير الاستقراء؟،  أي أن المراد بمشكلة الاستقراء هو البحث عن المبرّرات التي تجيز للعالم الطبيعي أن يستدل قانونا عاما ينصرف على المستقبل، مع علمه أن عمله كله منحصر في أمثلة جزئية شاهدها في الماضي، فكيف يجوز له أن يقفز من المحدود إلى المطلق؟[2]

2-مشكلة الاستقراء حسب هيوم:

يتمحور السؤال إذن حول: ما الذي يبرّر لنا أن نضيف هذه الإضافة التي لم نستند فيها إلى الخبرة؟، ينفي هيوم صفة الضرورة واليقين* نتائج الاستقراء بدعوى أن المقدمات الاستقرائية لا تبرّر التوصل إلى نتيجة مطلقة ضرورية ويقينية." لأن تلك المقدمات مهما بلغ عددها فهي مستمدة من خبرات الماضي والحاضر أما النتيجة فيراد بها أن تنصرف إلى المستقبل، وإذن فلابد لافتراض الصدق في النتيجة من افتراض أن المستقبل سيأتي على غرار الحاضر والماضي."[3] تعرف هذه القضية عادة في الكتابات المنطقية بمبدأ اطراد الحوادث في الطبيعة؛ وعادة ما تدور مشكلة الاستقراء حول تحليل مبدأ اطراد الحوادث في الطبيعة، ومدى مشروعية الاعتماد عليه أو رفضه كأساس لقيام العلم. وفقا لهيوم فإن منهج الاستقراء يقوم على الإيمان بمبدأ العلية* الذي يقتضي ارتباطا ضروريا بين ظواهر الطبيعة يعبّر عنها غالبا بعلاقة العلة بالمعلول. وبرأيه يستحيل اعتبار العلية مبدأ عقليا- كما يذهب أصحاب الطرح العقلي- لأنها ليست من طبيعة قضايا المنطق و الرياضيات التي لا تخرج عن كونها تحصيل حاصل، فهي كما نعلم قضية إخبارية تركيبية تحيلنا إلى الواقع، والطرح التجريبي لها يؤدي بنا إلى القول بأنها ناتجة عن الانطباعات الحسية و تكون المفارقة أن العلية سيقرّرها حينذاك الاستقراء نفسه. وبالتالي سنصطدم بمشكلة الدور.** يبدأ هيوم صياغته لمشكلة الاستقراء بتمييز قضايا الرياضة والمنطق عن قضايا الواقع من حيث معيار الصدق فيهما. وإذا كان معيار صدق القضايا الرياضية والمنطقية صدقا مطلقا لا استثناء فيه هو- كما يرى هيوم- أن نقيضها مستحيل، أي انه لا يمكن تصور نقائض تلك القضايا.[4] فإن القضايا التي تعبر عن عالم الواقع - وكل قضايا العلم والتعميمات الاستقرائية من هذا النوع - هي قضايا تجريبية لا يتوقف صدقها على عملية استنباطية صورية، وإنما على تحقيق تجريبي لها[5]، لذلك يمكن تصور نقيضها أي أن نقيضها ليس مستحيلا، أو أن صدقها وكذبها يستويان في الإمكان. وبعد أن ميّز هيوم بين " هذين النوعين من القضايا – التجريبية من ناحية والرياضية  والمنطقية من ناحية أخرى- تساءل عما يبرّر اعتقادنا بأن القضايا العامة المتعلقة بأمور الواقع صادقة؟ وأجاب أنه لا دليل يبرّر هذا الاعتقاد."[6]  فلقد أشار هيوم إلى أن نتيجة الاستدلال الاستقرائي ليست قضية من قضايا الرياضة أو المنطق، أي ليست قضية تحليلية، وبالتالي فإن إنكار نتيجة الاستدلال الاستقرائي لا يوقعنا في تناقض. وأشار هيوم إلى أن من الممكن تماما تصور عكس النتيجة الاستقرائية. ... ففي استطاعتنا أن نتصور أن النتيجة باطلة دون أن نضطر إلى التخلي عن المقدمة. وإن إمكان وجود نتيجة باطلة مقترنة بمقدمة صحيحة ليثبت أن الاستدلال الاستقرائي لا ينطوي في ذاته على ضرورة منطقية. وإذن فقضية هيوم الأولى هي أن الاستقراء له طابع غير تحليلي.[7]

    يرى ديفيد هيوم أن الأمر كله يعود إلى مجرد تعاقب بين الأحداث أو الوقائع، ومن ثم فإن العلية هي الملاذ الذي نلجأ إليه لملء فراغ جهلنا بالعلاقة بين واقعتين أو أكثر. و هي لا تعدو أن تكون مجرد عادة سيكولوجية. يرجع هيوم العلية و مبدأ الاطراد في الطبيعة إلى العادة أو الطبع لا أقل لا أكثر. وبرأيه تتكون لدينا عادة الاعتقاد في القانون، من تكرار مشاهداتنا للتتابع بين الوقائع. إذا تساءلنا، كيف نعتقد في أن قانونا يربط بين واقعتين؟، حسب هيوم  يكون ذلك وفق قاعدة نفسية* يمكن صياغتها كالتالي:" إن تكرار الخبرة الحسية التي يلحق فيها وقوع الحدث (ص) بعد الحدث (س)، يخلق في الإنسان عادة لتوقع (ص) كلما شاهد (س)."  لنتساءل: من بعد هيوم يستطيع أن يجازف بإقامة صرح العلم- الموضوعي- طالما أن  تعميم الاستقراء يرتد إلى مجرد عادة نفسية - وهي ذاتية - ؟، ما يرفع من خطورة هكذا موقف هو أن أساس الاستقراء غير مبرّر لا عقليا ولا تجريبيا، أي أن العلم غير عقلاني. يترتب عن الطرح الهيومي لمشكلة الاستقراء، انهيار صرح العلم كليا إذا ما ثبت أن التعميم الاستقرائي غير صحيح. وذلك مأزق لا يحسد عنه العلماء، لأن" صعوبة تعليل هذا المبدأ لا توازيها إلا صعوبة التخلي عنه"[8]، هذه صرخة هنري بوانكاري (1854-1912، H. Poincaré) ذاته. وهنا تكمن أزمة المنهج العلمي ذلك أن أصحاب النزعة الاستقرائية في غمرة النجاحات التي حققها العلم الحديث ظلت أصواتهم تصدح بالقول أن العلوم هي وحدها التي تستخدم منهج الاستقراء القائم على الملاحظة والتجربة. ومن هنا ألبس مفهوم العلمية ثوب الاستقرائية، حيث ارتفع الاستقراء من منهج للبحث إلى معيار لتمييز المعرفة العلمية عن غيرها. في التباس لم تحسب عواقبه، إلاّ في الفلسفة المعاصرة مع تقدم الدراسات الإبستيمولوجية.

  لقد بيّن هيوم أن التجريبية الخالصة لا تقدم أساسا كافيا للعلم، رغم أن كل معارفنا ترتد إلى الخبرة، وذلك يتضمن إشكالات من قبيل: لماذا نقبل بما لا ينتمي إلى نطاق التجربة في هذه النقطة بالذات، ونمنع ذلك في غيرها؟، ألا يعني ذلك أن العلم يقوم على أساس لا علمي؟. إن الاستقراء كقاعدة منطقية مستقلة لا يمكن أن نستدل عليها من التجربة، ولا من قواعد منطقية أخرى، وأنه بغير هذه القاعدة يصبح العلم مستحيلا.

[1] شالمرز ألان، نظريات العلم ،تعر الحسين سحبان وفؤاد الصفا، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،ط1، 1991، ص 27

* كمثال ما حدث مع بعض تصورات الفيزياء الكلاسيكية مع ظهور النسبية، او المطلقيات الرياضية مع الرياضيات المعاصرة

[2] علي حسين، فلسفة العلم المعاصرة ومفهوم الاحتمال، الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ب.ط، 2005، ص،ص،187

* يقول هيوم:" عندما ننظر خارجنا نحو الأشياء الخارجية ونتأمل في عمل الأسباب، لا نكون قادرين البتة على ان نكتشف من حالة واحدة قدرة أو اقترانا ضروريا... وسنجد فقط أن الواحد يلي الآخر بالفعل، في الواقع. إن دفع كرة البليارد الأولى  تصحبه حركة الكرة الثانية... ليس هناك  إذن أي حالة بعينها، من حالات السببية، ما يمكن أن يوحي بفكرة القدرة أو الاقتران الضروري. أنظر:

هيوم ديفيد، مبحث في الفهامة الإنسانية، تعر، موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت، ط.1، 2008، ص. 95

[3] محمود زكي نجيب، نحو فلسفة علمية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ب ط، 1980، ص207-208.

* وهو مبدأ من المبادئ القليلة التي يتفق عليها العقلانيون والتجريبيون برغم الاختلاف في تفسيره من حيث قبليته أو بعديته ، بينما ينظر اليه راسل على انه  صورة منطقية فارغة من المضمون سابقة عن التجربة لا تحمل خبرا حتى تقيم بالصدق أو الكذب، أي أنها دالة قضية

** تلك مفارقة فكيف نبرهن على مبدأ يقوم عليه منهج الاستقراء بالاستقراء ذاته؟

[4] زيدان محمود فهمي، الاستقراء والمنهج العلمي، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، ب.ط، 1977، ص 110

[5] علي حسين، فلسفة العلم المعاصرة ومفهوم الاحتمال، (م. س)، ص. 188

[6] المرجع الأسبق، ص. 111

[7] علي حسين، فلسفة العلم المعاصرة ومفهوم الاحتمال، (م. س)، ص،ص. 188 - 189

* ينقضها راسل بمثال الدجاجة التي يطاح برأسها وقت الإطعام في رأس السنة ، وشالمرز بمثال الغربان ، والحصيلة أن استدلالا استقرائيا  مباشرا يقوم على مقدمات صادقة قد يقود إلى نتيجة كاذبة، أنظر: شالمرز ألان، نظريات العلم ،(مر، س) ص 28

[8] بوانكاري، هنري، قيمة العلم، تعر، الميلودي شلغوم، دار التنوير، بيروت، ب.ط، 2006، ص156


Modifié le: mercredi 21 décembre 2022, 12:54