الفلسفة المسيحية

مفهوم الفلسفة في العصور الوسطي:

            أثرت الفلسفة اليونانية بشكل قوي على الفكر الفلسفي إبان العصور الوسطى في أوروبا، بحيث ظل الفلاسفة في تلك الفترة يعيدون دراسة تصورات وأفكار الفلاسفة اليونان خاصة أرسطو حول الوجود والميتافيزيقا، فقاموا بترجمة جل كتبهم من اليونانية والعربية إلى اللاتينية، واحتل أرسطو مكانة خاصة لذي فلاسفة العصور الوسطى وهذا بسبب أن الكنيسة تبنت أرائه وحولتها إلى فلسفة إلهية أطفت عليها صفة القداسة، وكل من يخالف أرائه فهو يخالف تعاليم الكنيسة، ويتهم بالكفر و الزندقة. وهكذا أضحي العقل الأوروبي خاضعاً لسلطتين كبيرتين هما: سلطة دينية تتمثل في سيطرة الكنيسة وسلطة عقلية تتمثل في سيطرة الآراء الأرسطية، ولقد امتدت هذه الفلسفة ما بين القرن التاسع و القرن الرابع عشر ميلادي، وسبقتها فترة سميت بعصر آباء الكنيسة، حيث كان التفكير فيها منصباً على أمور العقيدة المسيحية والدفاع عنها ضد التصورات والأفكار  العقلانية الوافدة من عند اليونان.

طبيعة الفكر الفلسفي في العصر الوسيط:

            اعتبر الفكر الفلسفي في العصر الوسيط فكرا مسيحيا أي فلسفة مسيحية تختص بدراسة مسائل الدين المسيحي و قضاياه، لكن الحقيقة أن الفلسفة المسيحية لم تركز كلية على مسائل الدين فقط، بل عالجت قضايا تتعلق بالطبيعة و الأمور العقلية، ومن أهمها مسألة التوفيق بين الفلسفة وتعاليم المسيحية، لكن المسألة التي اختلف فيها المفكرين والمؤرخين تتعلق بإمكانية وجود فلسفة مسيحية من عدم وجودها. فانقسموا إلى اتجاهين متعارضين.

            الاتجاه الأول: يتفق أنصار هذا الاتجاه على انه لا يوجد ما يسمي بالفلسفة المسيحية رغم اختلاف مواقفهم وحججهم، والتي تتفرع إلى ثلاث موافق.

            الموقف الأول: مثله كل من القديس بارنارد وبطرس، وحججهم في ذلك أن الدين المسيحي ليس بحاجة إلى فلسفة، باعتباره دين مطلق متعالي يحتوي موضوعه فكرة الخلاص، وهي فكرة دينية بحتة لا علاقة لها بالفلسفة على الإطلاق.

            الموقف الثاني: مثله العقليون الدين ينكرون وجود فلسفة مسيحية، فلا وجود لعلاقة تربط الدين المسيحي بالفلسفة القائمة على العقل، فالفلسفة و المسيحية يختلفان اختلافاً جوهريا، بحكم أن الدين المسيحي قائم على الإيمان و العاطفة و اللاعقلانية بينما الفلسفة معرفة عقلانية منطقية.

            الموقف الثالث: يمثله المدرسيون المحدثون ويقولون باستحالة وجود فلسفة مسيحية بحيث لا يمكن التوفيق بين النقل المسيحي و العقل، لأن الفيلسوف يضع الفلسفة في مرتبة أعلى لكن السكولائي الحديث يجعلها تابعة للاهوت.

             الاتجاه الثاني:  يقر أنصاره بوجود فلسفة مسيحية قائمة على التوفيق بين العقل و النقل، ويستشهدون بما قدمه فلاسفة العصر الوسيط أمثال القديس أوغسطين و توماس اكويني و انسلم.[1]  القديس أوغسطين:

            كان الهدف الأساسي من فلسفة أوغسطين هو السعي إلى تحقيق السعادة التي تتم بواسطة العمل والإخلاص، والسعادة التي بحث عنها أوغسطين هي السعادة نحو الله، "فالفلاسفة في بحثهم عن السعادة ومحاولة استكشافهم الحقيقة لم يصلوا إليها كاملة بل نالوا قسطاً منها، واعتقدوا خاطئين أنهم نالوها كلها ومن هنا تنشأ الأخطاء والأضاليل، إذ لا يستطيع العقل بجهده الذاتي الخالص أن يصل إلى الحقيقة المطلقة، ومن هنا كان في حاجة إلى من يساعده ويهديه و يكشف له الطريق ويؤمنه من المخاطر ، وليس ثم غير المسيحية هاديا ومنيراً، لأن المسيحية وحدها هي التي تقدم لنا الحكمة الكاملة وتقدم لنا الله في أعظم صوره، لهذا فإن العقل عند أوغسطين وإن كان ينشد الإيمان إلا أن الإيمان من جهة أخرى يسبق العقل، فالإيمان هو الحق و العقل يسعى إلى الحق بغية تعقله"[2].

اعتبر القديس أوغسطين "الفلسفة المسيحية فلسفة حقيقية فلسفة محبة الحكمة و الحكمة هي الكلمة و الكلمة تجسدت في صورة المسيح، وهذه الكلمة عي الحياة و الحياة هي النور و النور لم يأتي تبعاً لهذا إلا مع المسيح"[3] 

            وعليه فإن "الفلسفة الحقيقية عنده هي المسيحية، وهو لا يقصد فلسفة الوحي، لأنه فصل بين فلسفة العقل و فلسفة الوحي في كتابه"مدينة الله"وإنما يريد أن يقول أن الفلسفة المسيحية هي العقل في محاولته فهم تعاليم المسيحية ولذلك يقول (أمن كي تعقل)"[4]

القديس أنسلم دوكانتوباري:

             بدأ نشاطه الفكري بتشيعه لرأي أوغسطين القائل بوجوب إخضاع العقل للأيمان، فمنهجه كله قائم على تعقل الإيمان، فالعقل بحاجة إلى الإيمان لكي يهديه وينير له الطريق ويدفعه من الداخل إلى الحق و الحقيقة، وكما أن الإيمان بحاجة إلى العقل لكي يفسر ما هو غامض ويبرهن على صحة ما جاء في الكتب المقدسة، هكذا اهتم أنسلم بالعقل وكان له موقف من الاختلاف الذي وقع بين الديالكتيون و اللاهوتيين.

موقف الديالكتيون:  أشار أنصار هذا الفريق إلى أهمية العقل في العقيدة وأنكروا المعتقدات القائمة على الوحي دون العقل، فالعقل هو أساس البرهنة على ضرورة النقل.

موقف اللاهوتيين: يري أنصار هذا الاتجاه بزعامة القديس بطرس ديماني والذي رفض فلسفة أرسطو،بصفة خاصة و الفلسفة اليونانية بصفة عامة، بحيث أنكر فكرة العلية القائمة على التفسير العقلي، فالعلة الأولى و الأخيرة هي الله- و الله حر حرية مطلقة وإرادته تصل إلى حد عدم إحداث ما حدث. وهي الأفكار نفسها التي نجدها في الفلسفة الإسلامية عند الأشاعرة

وفي ظل هذا الاختلاف وقف القديس أنسلم موقف الوسط وقال بأن الديالكتيون مخطئون لآن الأولوية تكون للإيمان و ليس العقل، ولا يمكن للعقل لوحده أن يؤدي إلى الإيمان، كما أكد على أن رجال اللاهوت يهملون العقل إهمالا قويا، فلا عقل بدون إيمان و لا ليمان بدون عقل[5].

القديس توماس إكويناس:

إن المسألة الأساسية في العصور الوسطى تتعلق بمصدر المعرفة هل تعود للعقل أم الوحي، بحيث كان لتوماس موقف من هذه الازدواجية العقل و الوحي، فهو يري أنه بإمكان الإنسان أن يصل للمعرفة من خلالهما، البحث الفلسفي و العلمي من جهة و من جهة أخرى بالرجوع إلى التعاليم المقدسة فيمكن للعقيدة و العلم أن يسيرا جنبا إلى جنب، بمعني أن العلم يصل إلى حقائق مؤكدة عن طريق الوحي فيقوم العلم بالكشف عنها، بينما هناك حقائق أخرى يختص بها فقد الوحي مثل نظرية الخلق و نهاية الحياة، "فالمعارف رفي نظره أنماط هناك معرفة أولي وهي معرفة ليمانية يستمدها الإنسان من داخله و الثانية معرفة مادية يستمدها من عقله و حواسه، لقد أمن توماس بأن الحقيقة واحد سواء اختص بها العقل  وأصبحت حقيقة استنتاجية قياسية أو اختص بها الدين فكان السبيل إليها الإيمان و التصديق بالقلب، إن العقل و النقل فرعان من فروع المعرفة يعتمدان على مصدرين مختلفين من مصادر المعرفة"[6] 

يري توماس أن الفلسفة دراسة شاملة تغطي جميع العلوم، ويتسم التفكير الفلسفي ببنيته الجدلية، في حين يختص العلم بمعرفة خصائص الأشياء، لكن في كثير من الأحيان يكون التفكير نظريا و عمليا لذلك يكون للعقل دور في الجانب العملي فيوجه سلوكياتنا مثل اختيارنا للأفعال الخلقية، بينما يبقي الجانب النظري يختص بالفهم ويسعي للكشف عن الحقيقة. لذلك يؤكد توماس على تعدد المعارف العلمية منها ما هو نظري كالرياضيات و الميتافيزيقا والفيزياء و ما هو عملي كالخلاق و الاقتصاد و السياسة.

خصائص الفلسفة المسيحية:

1- تجمع بين النقل و العقل فيكتمل الإيمان عن طريق العقل ويكتمل العقل عن طريق الإيمان، فالتعبير الحقيقي للأيمان يكون بالتعقل" أومن لتعقل"

2- عالجت مشكلات محدودة، تقتصر على فكرة الخلاص، التي تتناول الله وصفاته- الإنسان من حيث روحه وصفاته- الطبيعة من حيث صلتها بالله.

3-  الربط بين الفلسفة والمسيحية فالفيلسوف يشتغل بالفلسفة باعتباره مسيحياً بخيث جمع التفلسف بين الفيلسوف و مذهبه الديني.[7]

 [1] - ماهر عبد القادر محمد، وأخرون، دراسات في فلسفة العصور الوسطي، دار المعرفة الجامعية، ب ط، 2000م، ص 15

[2] - الشيخ كامل محمد محمد عويضة، أوغسطين فيلسوف العصور الوسطى، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان الطبعة الأولى، 1993م، ص 36.

[3] - ماهر عبد القادر محمد، وأخرون، دراسات في فلسفة العصور الوسطي، المرجع الأسبق، ص 16

[4] - المرجع نفسه، ص17.

[5] - عبد الرحمان بدوي، فلسفة العصور الوسطى، دار القلم بيروت لبنان الطبعة الثالثة، 1979م، ص67.

[6] - ماهر عبد القادر محمد، وآخرون، دراسات في فلسفة العصور الوسطي،ص400.

[7] - عبد الرحمان بدوي، فلسفة العصور الوسطي، مرجع سابق، ص5.

 

Modifié le: jeudi 8 septembre 2022, 16:42