الفلسفة عند فلاسفة الاسلام
مفهوم الفلسفة عند الفلاسفة المسلمين
من المتعارف عليه أن الحضارات تتعاقب وكل حضارة تقوم على أنقاض حضارة أخري، ومن مظاهر التحضر لدي الشعوب تقديس المعرفة بصفة عامة بما فيها المعرفة الفلسفية، لذلك فالفلسفة الإسلامية تعد احدي مظاهر التحضر إبان سيطرة الحضارة الإسلامية، فاستخدم مصطلح الفلسفة الإسلامية للإشارة إلى الأفكار و التصورات والمذاهب الفلسفية والتي عالجت قضايا العقيدة والدين، وقامت بدراسة كافة الظواهر الكونية، مما جعل من البحث الفلسفي في الإسلام بحثاً شاملاً. يستمد معارفه من عوامل داخلية تتمثل في تأثير القرآن و السنة و عبقرية اللغة العربية، ويعد علم الكلام ابرز ملامحه وأولى مراحل بداياته، بحيث يعتمد أساسا على استخدام الأساليب اللغوية و المنطقية مستندا في ذلك على القرآن و السنة قصد مواجهة المشككين في العقيدة الإسلامية وثوابتها. ومع حلول القرن التاسع للهجري تفتح المسلمين أكثر على الفلسفة اليونانية وما ساعد في ذلك ظهور حركة الترجمة الأولي في العصر العباسي في خلافة المنصور لكثير من الكتب اليونانية في الطب و الأخلاق و السياسة التي ترجمت من اليونانية إلى السريانية كما ترجمت أثار أرسطو في المنطق. كما ازدهرت الترجمة الثانية في عهد المأمون بحيث أسس في بغداد بيت الحكمة والتي كان لها الفضل في الكشف على التراث اليوناني فتم التعرف على فلسفة أفلاطون وأرسطو بصفة خاصة، وعلى جميع الفلسفات اليونانية بمختلف توجهاتها بصفة عامة، مما جعل الفلسفة الإسلامية تتميز بالغني والتنوع و الاختلاف في الأفكار وهذا ما ظهر جليا في تصورات الفلاسفة المسلمين حين تعريفهم للفلسفة واختلافهم في قضايا جوهرية كتلك التي يتعلق بمحاولة التوفيق بين العقل و النقل. ولا يمكن الحديث عن الفلسفة الإسلامية دون الإشارة إلى الفلاسفة المسلمين ومن بينهم:
الفلسفة عند الكندي (185ه-805م)(259ه-873م)
تأثر الكندي كغيره من الفلاسفة الإسلاميين بمفهوم الفلسفة كما عرفها اليونان خاصة الفيلسوف أرسطو، ويظهر هذا التأثر لدي الكندي في تعريفه للفلسفة "بأنها معرفة الأشياء بما هي عليه في الوجود"[1] وإن كان هذا التعريف الأساسي الذي يوضح مفهوم الفلسفة في نظر الكندي والذي بين فيه أهمية الفلسفة في البحث عن الحق و الحقيقة، فهناك تعريف عدة تحمل معني الفلسفة عند الكندي ومن بينها" هي علم الأشياء الأبدية الكلية، أنياتها وماءيتها وعللها، بقدر طاقة الإنسان"[2] ويوضح الدكتور محمد أبو ريدة تعريفا صريحا للفلسفة حيث نسب للكندي أنه قال"إن الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها، لأن كل شيء له حقيقة، وأن المعرفة الحق كمال الإنسان وتمامه" فغرض الفيلسوف في بحثه عن المعرفة الوصول إلى الحق، من هنا جاءت فلسفة الكندي لتقدم قي قيمة إضافية للفلسفة قائمة على استحسان التفلسف ودوره الفعال في إحقاق الحق والبحث عليه و تقديسه وهنا تتجلي الصفة الجمالية لفلسفة الكندي.
وقسم الكندي علوم الفلسفة ويقصد بها الجانب النظري إلى ثلاث أقسام "القسم الأول علم الرياضيات وهنا يبدو تأثره بأفلاطون الذي جعل من الرياضيات علم نتحصل به على المعرفة الحقة، والكثير من الأقوال التي قيلت في شأن قيمة الرياضيات المنسوبة للكندي شبيهة بتلك التي قالها أفلاطون، فالإنسان في نظر الكندي لا يكون فيلسوفا حتى يدرس الرياضيات إذ قال " لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات" وتشمل العدد و المساحة والتنجيم و التأليف. والثاني علم الطبيعيات أو المحسوسات تنقسم إلى الأجسام المركبة من المادة والصورة فميز بين الأجسام الحية و الأجسام غير الحية و الثالث علم الربوبية وتشمل الميتافيزيقا وهي أعلى العلوم لأنها على رأس الموضوعات التي تبحث في الله تعالي، أما الجانب العملي كالأخلاق و السياسة و تدابير المنزل لم يهتم به الكندي إذ يقول : إن الأفضل في بحثنا هذا هو أن يكون كلامنا بحسب علم الأشياء لا بحسب عملها"[3].
فلسفة الفارابي (260-339ه) (873-950م)
تأثر الفارابي بالفلسفة اليونانية كباقي الفلاسفة المسلمين، وكان الطابع العام في فلسفته، محاولة التوفيق بين الحكيمين أفلاطون و أرسطو، بحيث أصدر كتاب في هذا الشأن، بعنوان" الجمع بين رأيي الحكيمين"، وفيه عرف الفلسفة بأنها" العلم بالموجودات بما هي موجودة" أي العلم المطلق الذي لا يمكن تقييده لا بزمان أو مكان، فالفلسفة هي مصدر كل المعارف مهما كان نوعها رياضية طبيعية أخلاقية، منطقية، إلهيات.
و العلوم عند الفارابي صنفان،الصنف الأول الفلسفة والتي تحصل بفضها سعادة الإنسان، والصنف الثاني علوم النفع، والفلسفة تنقسم بدورها إلى قسمين، قسم نظري يشمل علوم رياضية بكل أنواعها وعلم الطبيعة و العلم الإلهي وقسم عملي يضم علم الأخلاق و علم السياسة والمدينة، وعلم الكلام.
صنف الفارابي العلوم إلى خمس،
1-علم اللسان وفروعه
2--علم المنطق وأجزائه
3--علم التعاليم العلوم الرياضية
4-علم الطبيعة وعلم الإلهي
5- العلوم المدنية، علم الفقه وعلم الكلام.[4]
اعتبر الفارابي المنطق، الآلة التي تنظم كل هذه العلوم، و الغرض النهائي من تعلم الفلسفة عند الفارابي هو معرفة الخالق تعالي. يبدو أن هذا تصنيف جمع فيه الفارابي "بين التصنيف الأرسطي بعلومه النظرية و العملية، وأضاف إليها علوم أخرى اقتضتها طبيعة المجتمع الإسلامي مثل علم الكلام و علم الفقه وهذا يدل على قدرة الفارابي على التوفيق بين الفلسفة والدين"[5]
"إن عبقرية الفارابي وقدرته في تحصيل المعرفة والعلم جعلته من أهم المفكرين في العالم الإسلامي، وهذا ما جعل العديد من المفكرين و الأدباء الغربيين يتحدثون عنه وعن عمله في مؤلفاتهم"[6]
فلسفة ابن سينا:(370-428ه)(980-1037م)
لم يختلف معني الفلسفة عند ابن سينا عن معناها عند الفارابي-"فهي العلم بالوجود بما هو موجود، أي العلم بالوجود المطلق دون النظر إلى نوع هذا الوجود، كما أنها علم المبادئ التي تقوم عليها العلوم الجزئية، والغاية منها تهذيب النفس الإنسانية واستكمالها لتحصل لها السعادة"[7]
يرى ابن سينا أن الفلسفة لا تكمن فقط في البحث عن المعرفة بل هي موقف من الحياة يجعل الإنسان يسعى لإثبات قدرته بحياة متميزة عن حياة باقي الكائنات غير العاقلة والغرض منها تحقيق السعادة.
كتب ابن سينا على نطاق واسع عن الفلسفة الإسلامية، وخاصة موضوعات المنطق والأخلاق والميتافيزيقا، بما في ذلك الأطروحات المسماة المنطق والميتافيزيقيا. كُتبت معظم أعماله باللغة العربية التي كانت لغة العلم في حينها، كما له كتابات باللغة الفارسية.
"الحكمة عند ابن سينا نوعان حكمة نظرية تتناول الأمور التي لنا أن نعلمها و نعمل بها وهي بدورها تنقسم إلى قسمين حكمة مدنية تعرض لما ينبغي أن يكون عليه التعاون بين الناس على مصالح الأبدان وبقاء النوع الإنساني وحكمة منزلية تتناول ما ينبغي أن يكون عليه التشارك بين أفراد المنزل أما النوع الثاني فهي الحكمة العملية تشمل الأخلاق تهدف إلى معرفة الفضائل وكيفية مزاولتها والرذائل وكيفية اتقائها وتستفاد هذه الحكمة العملية بفروعها الثلاثة من الشريعة الإلهية، وإن كانت قوانينها وتطبيقها على الجزئيات إنما تعرف بالنظر العقلي"[8].
حاول ابن سينا التوفيق بين الشريعة والفلسفة اليوناني، و"قسم ابن سينا الوجود إلى وجود ممكن ووجود واجب. فالممكن تمثله جميع الكائنات المخلوقة التي تنفصل فيها الماهية عن الوجود، فالوجود هنا مجرد عرض من أعراض الماهية الممكن، أما الوجود واجب فهو وجوب لذاته وبذاته وهو وجود الله وهو واجب الوجود. فالعالم و الإنسان و جميع الخلائق الموجودة نتيجة ضرورية في رأي ابن سينا تلزم عن وجود الله، فلا علة قبل وجود الله فهو الخالق و الصانع و المصور بالضرورة، لكن ما يؤخذ على ابن سينا قوله بوجود المادة التي يخلق الله بها العالم، فالإقرار بقدم المادة مخالف للشرع ذلك أن الله بقدرته تعالي يخلق من عدم، وهذا الخلط الذي وقع فيه ابن سينا ناتج عن الترسبات التي احدها من أرسطو حول فكرة قدم العالم"[9].
فلسفة ابن رشد:(520-565ه)(1126-1198م)
يعد ابن رشد من أعظم الفلاسفة المسلمين وهو كسابقيه من فلاسفة المشرق الإسلامي الذين تأثروا بفلسفة أرسطو وكان من أعظم شراحه وأدقهم، ومن أهم مواقفه الفلسفية محاولة التوفيق بين العقل و النقل بصورة أكثر توفيقا، وبين ذلك في كتابه "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، بحيث ميز بين المنطق والفلسفة ولكن جعلهما على ارتباط، فالتفلسف يستدعي بالضرورة التعقل المنطقي مؤكدا على أن الشرع دعي للاستخدام العقل والتدبر في الوجود إذ يعرف الفلسفة "بأنها النظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع" يعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات أنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم"[10].
يستدل ابن رشد بعدة آيات من القرآن الكريم لتبيان أهمية العقل في تدبير الأمور كقوله تعالى: {اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}، وفي قوله تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}، وهذا الأدلة وغيرها شدد فيها ابن رشد على كلمات الاعتبار والتفكر والنظر والرؤية كونها أدلة من الدِّين على وجوب النظر بأسلوب عقلي في كلِّ ما هو موجود حول الإنسان، ويقول أنَّ الاعتبار هو استنتاج المعلوم من المجهول والوصول إلى نتيجة وهكذا برر ضرورة دراسة المنطق. "فلا يمكن للبشرية أن تعادي العقلانية، لأن هذه الأخيرة وإن سبق أن استعملت لتشويه الوجود البشري الحق، فإنه مع ذلك لا يمكن نكران أن العقل هو الذي يؤسس العظمة للبشرية في نهاية الأمر،إذ بفضله يصير الجسم بأفعاله وانفعالاته وحيويته جسماً بشرياً ولذلك لا يمكن الانتظار من ابن رشد أن يحرم الإنسان كفرد من عقله الخاص به، بعد أن ثم التنويه بالعقل المادي كعقل للنوع البشري برمته"[11]
فقد استدل على وجود الخالق بموجوداته وخلقه، وقد أكدَّ ابن رشد على أهمية القياس باعتباره وسيلة لإنتاج المعارف بطريقة عقلية وبالاعتماد على التحليل و استخدام البرهان مؤكدا على انه موجود في الفقه، فبذلك يكون القياس العقلي له الحكم ذاته، وميَّز بين الأقيسة كالقياس ألبرهاني والقياس الجدلي، وتتخلص فلسفة ابن رشد أنَّ الشريعة الإسلامية حقّ وأنَّ البراهين العقلية حقٌّ أيضًا والحقّ لا يُناقِض الحقّ فلا تضاد بين الفلسفة والشرع، والمرجع الأساسيّ له هو العقل. وهكذا يثبت ابن رشد التكامل بين الفلسفة و الدين باعتبار أن الغاية كل منهما هي أبطال وإحقاق الحق والحق لا يضاد الحق بل يوافقه و يشهد عليه.
1] - عمر محمد التومي الشيباني، مقدمة في الفلسفة الإسلامية، الدار العربية للكتاب ليبيا تونس ب ط 1990م، ص 82.
[2] - المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
[3] - إبراهيم محمد إبراهيم صقر، مشكلات فلسفية، دار الفكر العربي، ب.ط، 1998م، ص111.
[4] - أبي ناصر الفارابي، إحصاء العلوم، تصحيح وتقديم وتعليق، عثمان محمد أمين، مطبعة السعادة، 1931م، ص9.
[5] - إبراهيم محمد إبراهيم صقر، مشكلات فلسفية، دار الفكر العربي، ب.ط، 1998م، ص115.
[6] - مصطفي الجيوش- موسوعة العرب و المسلمين،- دار أسامة للنشر و التوزيع-عمان 2005م،ص286.
[7] - عمر محمد التومي الشيباني، مقدمة في الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص87.
[8] - المرجع نفسه، ص88.
[9] - محمد محمد قاسم، مدخل إلى الفلسفة، دار النهضة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م، ص142.
[10] - عمر محمد التومي الشيباني، مقدمة في الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص89
[11] -محمد المصباحي، إشكالية العقل عند ابن رشد، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان الطبعة الأولى، 1988م، ص 107.